أحمد بن يحيى العمري
154
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
فقاومني خاطري ، وقال : بلى ! إنك بخيل ! . فقلت : " مهما فتح علي اليوم ، لأدفعنه إلى أول فقير يلقاني ! " . قال : فبينا أنا أتفكر إذ دخل عليّ صاحب لمؤنس الخادم « 1 » ، ومعه خمسون دينارا ، فقال : اجعل هذه في مصالحك . فأخذتها وخرجت . وإذا بفقير مكفوف بين يدي مزين ، يحلق رأسه ، فتقدّمت إليه ، وناولته الصرة ، فقال لي : أعطها للمزين . فقلت : " إنها دنانير ! " فقال : " أوليس قد قلنا إنك بخيل ؟ ! " . فناولتها للمزيّن ، فقال : " من عادتنا أن الفقير إذا جلس بين أيدينا لا نأخذ منه أجرا ! " . قال : فرميتها في دجلة ، وقلت : " ما أعزّك أحد إلا أذلّه الله " . وقال أبو محمد الحريري : مكثت عند الشبلي الليلة التي مات فيها ، فكان ينشد طول ليلته هذه الأبيات « 2 » : كل بيت أنت ساكنه * غير محتاج إلى السرج وجهك المأمول حجتنا * يوم يأتي الناس بالحجج لا أتاح الله لي فرجا * يوم أدعو منك بالفرج « 3 » ورآه بعض الصالحين بعد موته ، فقال : " ما فعل الله بك ؟ " . فقال : " لم يطالبني بالبراهين على الدعاوي إلا على شيء واحد ، وذاك أني قلت يوما : لا خسارة أعظم من خسارة الجنة ودخول النار . فقال لي : " وأي خسارة أعظم من خسران لقائي ؟ " . ورآه آخر في النوم فقال : " ما فعل الله بك ؟ " . فقال : " ناقشني حتى أيست ، فلما رأى إياسي تغمّدني برحمته " .
--> ( 1 ) مؤنس الخادم الملقب بالمظفر ، ولي مصر مدة خمسة أعوام ، وعزل عنها سنة ثمان وتسعين ومائتين . انظر : النجوم الزاهرة 3 / 174 . ( 2 ) في الأصل المخطوط قوله " هذين البيتين " . ( 3 ) الكواكب الدرية 1 / 560 .